حسن الأمين

130

مستدركات أعيان الشيعة

كذلك يعني التفاوت في الثروة مسا بالأخلاق : « فالإفراط بالثروة مهلكة للأخلاق الحميدة ، وهذا معنى الآية * ( ( ان الإنسان ليطغى ان رآه استغنى ) ) * . فضرر الثروات الافرادية في جمهور الأمم أكثر من نفعها لأنها تمكن للاستبداد الداخلي فتجعل الناس صنفين عبيدا واسيادا ، وتقوي الاستبداد الخارجي فتسهل للأمم التي تغني بغنى أفرادها التعدي على حرية واستقلال الأمم الضعيفة » . ما استقيناه من نص ليس إلا عبارات الكواكبي الذي وعى فعلا شر الاستبداد المالي المتمثل في تكديس الثروة على الصعيدين الذاتي والدولي . فالاستبداد الداخلي ليس إلا وصفا نفسيا دقيقا للنزعة التي تقوي في الإنسان الميل للتسلط « فالمال يجر المال » يقول المثل الشعبي . والمال لا يجر المال إلا بجر الرقاب عبيدا طائعين . وكلما وعى الفرد هذه الحقيقة مجردة أو معزولة عن الأخلاق أو عن الأخلاقيات كلما ازداد غطرسة ومجدا ، أو تمجدا كما يقول الكواكبي في بعض فصول كتابه طبائع الاستبداد . أما الفكرة الثانية والتي تعتبر بالفعل فكرة رائدة في عصره ، فهي فكرة تسلط الدول الغنية ( الأمم الأغنى ) على الدول الفقيرة . بتجاوزنا لكل العبارات الدارجة يمكننا القول وبكل بساطة ، لقد وعى الكواكبي حقيقة الاستغلال ، ومن ثم الاستعمار . بل لقد أشار بوضوح إلى السبب الاقتصادي في ذلك وهو السبب الأهم وعليه بنت النظريات السياسية منذ أوائل القرن التاسع عشر وما زالت تبني . إلا أن الكواكبي لا يوسع نظريته ، والأصح القول نظرته ، بل رؤيته . ويبقى الموضوع الأساسي موضوع الحلول . فالمصلح لا بد أن يضع حلولا أو يقدم مشروع حل وإن مبسطا . « لا ! لا ! لا يطلب الفقير معاونة الغني ، انما يرجوه ان لا يظلمه ، ولا يلتمس منه الرحمة ، إنما يلتمس العدالة . لا يؤمل منه الإنصاف انما يسأله أن لا يميته في مزاحمة الحياة » ( طبائع 170 ) . وبعد ذلك يقول : « ان العدالة المطلقة تقتضي ان يؤخذ قسم من مال الأغنياء ويرد على الفقراء بحيث لا يحصل التعديل ولا يموت النشاط للعمل ( طبائع 171 ) . ما يبدو حلولا هنا ليس كذلك فعلا فصيغة الفعل المبني للمجهول « يؤخذ قسم من مال الأغنياء ليوزع على الفقراء » صيغة مبهمة لا يمكنها أن تكون أحلاما . والحلول المبهمة ، أو القائمة على مجرد الدعوة إلى الرحمة والإنصاف والعدالة لا تفيد في تحقيق هذه المبادئ بل يخشى أن تكون عونا للاستبداد الذي يشبع الرعية مثل هذه التمنيات ويشبع هو بخيرات مادية أخرى . تعكس النظرة الاصلاحية التي يروج لها الكواكبي نظرة انسانية مهادنة . علما انه تعرف كما تفيد الدراسات ، وتفيدنا بعض عباراته بالذات على الأفكار السياسية التي تقول بالصراع الطبقي . كما عرف ان ثمة أحزاب وجمعيات ترعى ذلك ، وهي جمعيات مكونة من ملايين البشر وتدعو لملكية الأراضي والمصانع وآلات العمل ، « لأن تكون هذه مشتركة بين عامة الأمة » . ومع ذلك فقد لامس الكواكبي جوهر المسألة في أكثر من موضع ، خاصة في رأيه بالمال الذي يعتقد انه « فيض إلهي أودعه الله تعالى في الطبيعة ونواميسها ولا يملك اي لا يتخصص بإنسان إلا بعمل فيه أو بمقابلة » ( طبائع 170 ) . فالعمل هو القيمة الحقيقية للمال . وهذا ما لا خلاف عليه . وقانون المال هو العمل إذ لا مال في الطبيعة ، بل في العمل . والعمل هو القانون الطبيعي . يكفي أن يقال من لا يعمل يمت جوعا . فناموس الطبيعة العمل ، والله لم يودع المال إلا مجازا في الطبيعة . هكذا نصل إلى نتيجة أولى . فالتساوي في الأحوال يعني التساوي في الأعمال . وهذا ما يريده الكواكبي فعلا مع اعترافه المسبق بعدم امكانية ذلك من ناحية مبدأية . هذا ما تثبته الوقائع . أما الأخلاق ، الأخلاق الاصلاحية فتأبى إلا قلب المقاييس . إذ تقتضي العدالة رفع التفاوت وتقتضي الإنسانية ان يأخذ الراقي بيد السافل فيقر به من منزلته ويقاربه في معيشته ويعينه على الاستقلال في حياته . صحيح ان الأخلاق هي الموحي للكواكبي في تصوراته ، أو في تمنياته . لكن الأخلاق عنده ليست أخلاقا وضعية تعارف عليها الناس أو ارتضى بها مجتمع ما . بل إن المنبع أو الدافع لهذه القيم الإنسانية بنزعتها الأخلاقية ليس إلا الدين . ففي الدين يجد الإنسان أساس نظامه الاجتماعي وأساس بنائه الأخلاقي . وهكذا نجده يشير باستمرار إلى اسم الانتظام العمومي ، أو معيشة الاشتراك العمومي . وهذا ما يشرحه بقوله : « المراد بالانتظام العام معيشة الاشتراك العمومي التي أسسها الإنجيل بتخصيصه عشر الأموال للمساكين ، ولكن لم يكد يخرج ذلك من القوة إلى الفعل . ثم أحدث الإسلام سنة الاشتراك على أتم نظام . ولكن لم تدم أيضا . كان المسلمون لا يجدون من يدفعون لهم الصدقات والكفارات ، وذلك أن الدولة الإسلامية كما سبق بيانه أسست حكومة ارستقراطية المبنى ، ديموقراطية الإدارة ، فوضعت للبشر قانونا مؤسسا على قاعدة : ان المال هو قيمة الأعمال ولا يجتمع في يد الأغنياء إلا بأنواع من الغلبة والخداع « ( طبائع 172 ) . مجددا يعيدنا الكواكبي للاحتذاء بالنموذج الإسلامي الأول ، الذي جسد ذلك النوع من الاشتراك ، وأمن كما قلنا نوعا من الانسجام والمساواة بين السلطة وبين المواطنين ، بين الإدارة وأجهزة الدولة ( البسيطة آنذاك ) وبين كافة الناس . وهنا تبدو عبارات الثروة العامة عبارات عامة فعلا ، فإذا كان يعني ذلك ما يتوفر في « بيت المال » فان الحديث يعني تحسين سبل الإنفاق فيما توفر أو تجمع . أو هل يعني ذلك ما تملكه الدولة أو ما يقع تحت سلطتها ونفوذها من أراض ومن أملاك ؟ أيا كان الأمر فان الكواكبي لم ينظر إلى المسألة إلا من جانب واحد ، وهو جانب العمل الذي لو فعله لكان أكثر انسجاما مع واقعيته التي انطلق منها . إذ جعل الاستبداد سببا لكل تأخر ، ورفع الاستبداد يعني تامين الحرية بكل أشكالها . حرية الفرد وحرية الأسرة وحرية الأمة وشعوبها . وهذا ما لم يغب عن باله بحال . حاولنا على امتداد الصفحات السابقة إبراز نظرة اجتماعية منسجمة . أو حاولنا إبراز وجه الإصلاح الاجتماعي الذي تاق اليه الكواكبي . فاهملنا نقاطا أخرى يمكن أن تكون بدورها من النقاط التي لا بد من التوقف عندها . كرأيه في التربية ، في المرأة ، في الدين ، أو كتصويره النفسي العميق بدلالته لمن يخضع للاستبداد ، أو حتى للمستبد بالذات . وهي مواضيع عالجها في مؤلفاته . كما يمكننا أيضا التطرق لبعض رؤاه السياسية التي حملت أحيانا أكثر مما تحتمل كنظرته إلى المسألة القومية وما يستنبط بذلك من تطلع إلى خلافة عربية يقال إنه اقترحها . علما ان الدعوات لاستقلال بعض المناطق عن جسم الدولة الأم كانت في عصره امرا شائعا . وكانت الجمعيات المتعددة تدعو لذلك . وفي المقابل ظهرت أيضا الدعوات الطورانية التي تنادي بأحقية الترك وأفضلية تناوبهم واستمراريتهم في الحكم . أيا كان الرأي الأخير في الكواكبي المصلح يظل مرتبطا بشخصية نموذجية في نضالها وفي رؤيتها . فالكواكبي لم يحمل قلمه من موقع متعال إطلاقا بل من موقع المعاني شخصيا لآلام عصره ولتطلعاته أيضا . فمن جملة أقواله المأثورة « الأمة التي يشعر كلها أو أكثرها بالأم الاستبداد لا